فلسفة الحج

18/12/2010 22:28

 

أن جميع أحكام الشريعة بها فوائد للناس، وغياب تلك الفوائد عن البعض لا يعني عدم وجودها، وذلك ينطبق على الحج، والذي تتجلى فائدته في توحيد الله ووحدة المسلمين.

كمال الدين بالحج

وذكر سماحته أن احد الأفاضل قال له في الخارج وهو يتحاور معه في مسائل الدين «لو كان الإسلام لم يأت بالطلاق ولا بالحج لكان ناقصا»، فأجابه سماحته بالإيجاب، «فدين الإسلام كامل لأنه صادر من الكامل المطلق جل شأنه، وخاتميته تدل على كماله لأنه ليس كالأديان السابقة،ذلك أن دين الإسلام أحكامه لا تتعلق بمصالح آنية، بل أحكامه ثابتة، كما جاء في الحديث الشريف «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة>> كما أن الكون والوجود كامل، لا يأتي أحسن منه وذلك باتفاق المسلمين مع الغرب، كذلك الدين الإسلامي كامل، فكمال الكون في التكوين، وكمال الإسلام في التشريع من الله العزيز الحكيم.

ما الفرق بين الحكم والثمرة؟!

أن الحج حكم شرعي ومناسكه شرعية، فما دخل الفلسفة فيها؟، ذلك أن الفلسفة لا تتعرض للأحكام الشرعية الجزئية وإنما تتعلق بأمور كلية، فالفقيه يعني بالأحكام الشرعية، بخلاف الفيلسوف الذي يبين الحكمة منها. الحديث عن الحج حديث لأمور من حيث كونه أمورا شرعية يخص الفقيه الذي يتكلم عن أحكام الشرع بالبحث ألدلائلي، ويقدم دليل الحكم سواء بالوجوب أو الحرمة أو الكراهة أو الاستحباب أو الإباحة.

أما الثمرة فهو ليس مختصات الفقيه، لأن الفقيه عبد الدليل ولا يسال عن علتها إلا إذا كانت العلة منصوصة كعلة تحريم الخمر، حيث نص الشارع على أن علتها الإسكار، فليس للفقيه البحث عن الحقائق الدفينة، بخلاف الفيلسوف الذي يستطيع ذلك. «مناسك الحج بصورة عامة مخالفة للسلوكيات البشرية والعادات الاجتماعية، ففي بيتك تلبس أحسن ما تحب وتأكل أفضل ما تحب وتنام في رفاهية، أما في الحج فلا تستطيع ذلك، بل تلبس المخيط وتنام في الخيام بل في العراء أحيانا كما هو الحال في مزدلفة. فلماذا صار هذا الحكم الشرعي مخالفا للعادة البشرية والعقل، وكيف أن الإسلام أمر بها؟.

مخالفة أحكام الحج السلوك العام

الحج لا معنى له إلا الخضوع لأمر المعبود، فالله يريد منك أن تخضع لهذا الأمر، كنت في السابق تلبس الثياب وتتطيب، الآن لا تتطيب، ونحن نرى أن هذا الجواب خاطئ وفيه مستلزمات غير صحيحة، لأنه يدل على أن الشرع فيه أمور تعسفية وغير عقلانية وهذا لا يصدر من الشارع الحكيم، لذلك علينا أن نسأل ما هي الحكمة في هذه الإحكام التي بظاهرها تخالف السلوك العام للمجتمعات الإسلامية؟، أما جواب ذلك العالم ففيه فرار من المسئولية والأمانة العلمية، و به مهانة للمكانة الكريمة في الإسلام، لأن كل حكم في الشريعة الإسلامية له فائدة لكن قد يغيب عنا، حتى ارش الخدش، فكيف الحج؛ ذلك المنسك العظيم يكون بلا ثمرة، ونحن نسال هذا العالم كيف لا يكون للحج ثمرات والله ذكر الثمرة حين أمر خليله إبراهيم «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات»؟.

«ولو حققنا في معنى الآية الكريمة، فنحن نسأل ما هي المنافع آنذاك، قالوا إن المنافع هو اللحوم، ويؤسفنا أن يصدر هذا الكلام من عالم دين مسلم، فهذه العوالم من مختلف الأجناس تتوجه للبيت الحرام من اجل أكل ذبيحة يوم العيد؟!، هل يعقل هذا؟! نحن لا ننكر فوائدها، لأنها وفرت على الحاج حياته الخاصة، بتوفير الأكل، لكن ليست هذه المنافع خصوصا أن هذه المنافع في زمن إبراهيم عليه السلام، و إبراهيم حين قال «هلم إلى الحج»، أجابه البشر في الأرحام وفي الأصلاب، لبيك، فمن قال لبيك مرة حج مرة ومن قال مرتين حج اثنتين، ومن قال أكثر حج بقدر ما لبى، ومن لم يلب لم يحج، وهذا يدل على أن البيان الإلهي لا يمكن أن يكون لأكل ذبيحة في الدنيا.

ما هو سبب بناء البيت الحرام من قبل أبينا إبراهيم عليه السلام

ضرورة معرفة السبب في بناء البيت الحرام، فبناء البيت «جاء على أنقاض الوثنية، ذلك أن الله بعث خليله إبراهيم عند البابليين المشركين عبده الكواكب، فبعثه يحاربها، فكسر الأصنام وكان بطل التوحيد، وهو الرجل المخلص الذائبة إرادته في إرادة الله، فإبراهيم من حيث هو ليس مستقلا، فالله أمر إبراهيم بذبح ولده بيده، وهو البلاء المبين، فأطاع الله وكاد يذبحه لولا أن فداه الله بكبش عظيم، فلما انتصر إبراهيم على الوثنية وسكن كنعان وهي المسماة اليوم بفلسطين، (ومن اسمها نعرف أنها عربية وليس لإسرائيل حق فيها، وإنما سميت فلسطين لان أناس من قبرص يسمون بهذا الاسم سكنوا فيها.) أراد الله لإبراهيم أن يؤسس للتوحيد دولة، فأمر خليله بتأسيس دارا للتوحيد ضد الوثنية، وخصص المكان في مكة، لان مكة أول بقعة توجد في الكرة الأرضية، وكانت الكعبة أول قطعة خلقت، لذلك استحقت التقديس، وذلك قول الله تعالى « وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمَيْنِ»، وبعد خلق مكة والأرض، خلق الله من الأرض ادم، واسكنه مكة، فهذا المكان هو بيت أبينا الكبير ادم وزوجه، فأمر الله إبراهيم ببناء بيت أبيه ادم، فحفر فوجد القواعد موجودة، «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل>>.

وتابع «الله أمر إبراهيم ببناء الكعبة لتكون رمزا للتوحيد، فجميع العباد يجب عليهم الحج، وهو ليس واجب على المسلمين وحدهم، بل هو واجب على الناس جميعهم «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا }    «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إليه سبيلاً{

الكفار أدخلوا زيادات على الحج

أن اليهود والنصارى والحنفيين كانوا يحجون للكعبة، لأن الكعبة إنما بنيت لتكون مؤسسة توحيدية، والحج جاء لها لإظهار التوحيد ضد الوثنية، فالحج رمزية توحيدية فرضها سيدنا الخليل، وأعاد فرضها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الحج قبل انتصار الإسلام شابته زيادات رفعها الرسول، منها الطواف عراة، لأنهم يقولون عصينا ربنا بثيابنا، فلا نريد الطواف بثياب عصينا الله فيها، فيطلبون ثيابا من المكيين، ولكن ذلك لا يكفيهم أحيانا، فيطوفون عراة إذا لم يجدوا ثيابا.

كذلك تعليق الأصنام في الكعبة، فهناك ثلاثمائة وستون صنم في بيت التوحيد، ادخلها رجل من جهرم اسمه عبد الله بن لحي، حيث كان سادنا للكعبة، فذهب للشام ورآهم يعبدون الأصنام، فجلبها من الشام وعلقها في الكعبة، وقد حاربه جد النبي قصي بن كلاب، وطرده بعد أن أعطاه بدل المفتاح زق خمر وجمل، و به ضرب المثل أبن مفتاح الكعبة من جمل؟!. واستمر ذلك إلى أن جاء النبي وحطم الأصنام، وكان بعضها عاليا، فرفع عليا على كتفه، وحطمها، ودفنها جميعا بالتحطيم، وهي منطقة من باب الكعبة إلى حجر إسماعيل، ويوميا يطؤها المسلمون.

من الزيادات التي أدخلت أن الحجاج إذا رجعوا، كانوا لا يدخلون من باب البيت، بل يحفرون من ظهر البيت مدخلا، ويدخلون منه، وإلى ذلك تشير الآية «ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها».

كما حارب النبي «ص» توحيد الإفاضة، فالحجيج كانوا يفيضون على درجتين، تتبدى قريش لأنهم آل الله، وبعد يوم يفيض الناس، وفي ذلك قول الله تعالى «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ».

ومنع النبي أيضا النسئ، حيث كانوا يؤرخون الحج بالتاريخ الشمسي لا القمري، وجاءت الهجرة وأرخت في الهلال وستبقى ليوم الدين.

مناسك الحج جميعها تشير لتوحيد الله

المنفعة المركزية في مناسك الحج، أن كل المناسك تشير للتوحيد، بدءا من الإحرام الذي فيه تخلي وتجلي، تخلي عن الملابس وتحلي بالإحرام وتجلي بالتوحيد، فيكون المحرم قد خلع كل شي من اجل الله حتى الثياب، ليكون مجردا لله وحده، والإحرام باعد بين الزوجين، وحرم الطيب، فالإحرام هو احترام ورفع اليد عن غير عبادة الله، وفيه يتجنب المحرم عن خمسة وثلاثون محرما بتفريعاتها، قد كانت مباحة له من قبل. والتلبية فيها توحيد للشعار الإسلامي، فجميع المسلمين شعارهم واحد هو استجابة أمر الله، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، فهي توحيد ونفي شريك وحصر الحمد والنعمة لله وحده، لا يحمد غير الله، فشعار المسلمين يجب أن يكون واحدا، والتلبية رشح من الإحرام، فلا يتم التلبية إلا بالعربية، ولا يحق أي شعار يقال هناك». و إن الطواف رمز الإحاطة الإلهية، فهو يعطي رمزية بان الله موجود في كل مكان، فهو المبدأ وهو المنتهى، كما أن وضع الكعبة على اليسار لان القلب على جهة اليسار، لتقريب القلب من الله.

الحجر الأسود يمين الله

الحجر الأسود يمين الرب وكلتا يديه يمين في الأرض، الله أراد أن يثبت سلطانه في الأرض، فطلب من المسلمين البيعة، وبيعته تقبيل الحجر والتمسح به، ووردت الأخبار الكثيرة بان الحجر يسجل أسماء المؤمنين ليكون شاهدا، وفي المناسك يتكلم الحاج معه و يقول له اشهد لي عند ربك. فهذا الحجر به نفع للمؤمنين ومضرة للمؤمنين، وقد روي أن الخليفة عمر قال حين قبل الحجر «لولا إني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك لأنك حجر لا تضر ولا تنفع، فأوضح له الإمام علي ما غاب عنه. و الصلاة في المقام هي امتداد للإسلام، واستسلام إبراهيم للأوامر الإلهية، فهذا الحجر به إعجاز وأنت ترى قدم سيدنا إبراهيم فيه، فالحجر كان يرتفع عند ارتفاع البناء، ونحن نؤدي الصلاة كما أداها إبراهيم، كما أن السعي يعطي رمزية للخلوص والتسليم من الذي كان أم المسلمين سارة، زوجة أبينا إبراهيم عليه السلام.

مكة هي أولى القبلتين

أن الصلاة كانت إلى الكعبة المشرفة في مكة، ولكن المهاجرين حين هاجروا إلى المدينة، كانوا يحنون إلى مكة، فعلم الله أنهم بصلاتهم للكعبة سيداخلهم حب الوطن مع حب الله، فطلب منهم الصلاة للقدس، ولما زاد إيمان المهاجرين وعير اليهود المسلمين، أتى أمر الله بالرجوع إلى مكة، وذلك قول الله تعالى «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ». وأن المسجد الأقصى ليس أولى القبلتين، وتلك المقولة لم تأت من النبي «ص»، أو من أهل بيته، أو الصحابة والتابعين، بل قالها السياسيون، وكلامهم ليس حجة.وذكر أن مكة ذكرت في التوراة بجبال سعير و فارام، والتاريخ يقول إن إبراهيم بني الكعبة وبعد أربعين سنة بني بيت المقدس مما يدل على قداسة الكعبة، وعدم ذكر الحج في التوراة لا يعني انه ليس موجودا عندهم، لأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، والتوراة الحالية ليست حجة. الحج به منفعتان، منفعة توحيد الله ومنفقة وحدة المسلمين.